بنغازي : الاثنين 14 سبتمبر 2026.م
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين.
السيدات والسادة أعضاء مجلس النواب، السادة والسيدات أعضاء مجلس الدولة، الشعب الليبي العظيم في كل مدينة وقرية، وفي كل شبر من أرجاء وطننا.
أتحدث اليوم لا لألقي خطاباً تقليدياً، بل لأخاطب فيكم الضمير الوطني الحي، ولأضع الجميع أمام لحظة فارقة في تاريخ ليبيا المعاصر. لحظة يمر فيها وطننا بمهب الريح، تتقاذفه أمواج الأزمات المتلاطمة، تتجاذبه الخلافات التي استنزفت طاقاته واستنفدت مقدراته.
إننا لا نملك ترف الوقت ولا رفاهية التردد، لا سيما ونحن نشهد جميعاً كيف أوشك البناء أن ينهار. إن التاريخ لا يرحم، وإن أجيالنا القادمة لن تغفر لنا إن نحن فرطنا في أمانة الوطن، وتغاضينا عن نداء الواجب في هذه الظروف الصعبة. لقد استطالت الأزمة، واشتدت المحنة، ووصل الخرق إلى حد يصعب رتقه إن لم نتداركه بصادق النيات وحاسم القرارات.
إن حالة التشتت والانقسام التي نعيشها اليوم ليست مجرد مناكفات سياسية أو تباين في وجهات النظر، بل أصبحت استنزافاً كلياً لكيان الدولة الليبية، وتفكيكاً لأركانها، وإهداراً لسيادتها. لقد طال الخلاف حتى نال من أمن المواطن وقوت يومه، وغدت الأزمات اليومية تراكماً مظلماً يهدد بانهيار مؤسسات الدولة، وصولاً إلى مرحلة يستحيل معها إلى حل.
إن الاستمرار في إثارة الاعتراضات لمجرد الاعتراض، والتعنت في المسائل المثيرة للجدل، لا ينتج عنه إلا إطالة عمر المحنة وزيادة معاناة المواطن الذي بات يبحث عن أبسط مقومات الحياة الكريمة من أمن واستقرار وأمن لأبنائه. إن التشرذم لم يحقق لأي طرف مكسباً دائماً، بل جعل الوطن بأكمله غنيمة للأزمات المتلاحقة.
تأملوا ما يجري على أرضكم؛ إن جنوبنا الحبيب، سنام الوطن وعمقه الاستراتيجي وشريان حياته، يتعرض لانتهاكات ويواجه أخطاراً تتجاوز قدرة أي طرف بمفرده على مواجهتها. إن الصحراء التي كانت مصدراً عزنا وأمننا باتت عرضة لمخاطر الهجرة غير الشرعية والتهريب والتسلل، في ظل غياب الدولة الموحدة القادرة على فرض سيادتها وحماية حدودها.
فوق كل ذلك، أذكركم جميعاً بأن بلادنا ما زالت تحت أحكام البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة. إن هذا الوضع الدولي الاستثنائي ليس مجرد نص قانوني في أروقة مجلس الأمن، بل هو قيد يكبل الإرادة الوطنية، وسيف مسلط على سيادتنا، وتهديد مباشر بالوصاية الدولية والتدخلات الخارجية، وتلوح في أفقه مخاطر الفوضى والحرب.
إن تركنا زمام الأمور للشتات والتمزق، فأي تاريخ سنكتبه لأنفسنا إذا سلمنا إرادة وطننا للخارج بعجزنا عن التوافق والتآلف إن الاستمرار في هذا المسار هو تسليم طوعي لسيادة ليبيا، وفرار من واجباتنا الوطنية والأخلاقية.
السيدات والسادة، إن طريق الخروج من هذا النفق المظلم بات واضحاً جلياً لا غموض فيه. لقد شكلنا اللجان، وتُوج هذا الجهد بالحصول على مخرجات توافقية نسعى لتحقيق هدف جوهري لا مناص منه: تشكيل حكومة واحدة تبسط سيطرتها على كافة التراب الوطني، وتتولى الإشراف على إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية. إنها فرصة متاحة بين أيدينا اليوم لخروج البلاد من مأزقها والتأسيس لشرعية دستورية دائمة.
إن هذه الفرصة ليست ملكاً لشخص ولا لكتلة ولا لمجلس، بل هي ملك للشعب الليبي بأكمله، فاذا فرطنا فيها ودعناها تهرب من بين أيدينا، فلن نجد غداً ما نبكي عليه الا أطلال وطن أضعناه بأيدينا. إن المراهنة على كسب الوقت أو عرقلة التوافق بحثاً عن مكاسب آنية ضيقة، إنما هو رهان خاسر وإبحار في عكس اتجاه المصلحة الوطنية العليا.
السيدات والسادة، إن الأمانة الوطن الموضوعة على عواتقنا ثقيلة، وإن الشعب ينتظر منا موقفاً شجاعاً يتسامى عن الجراح ويتجاوز الحسابات الحزبية والجهوية والفردية. إن المواطن الليبي لا يعنيه طول الجدال في القاعات المغلقة، إنما ما يهمه بالدرجة الأولى الأمن والأمان والاستقرار والخدمات، وأن يحيا بكرامة.
إن الافتعال المتعمد للعوائق في هذه المرحلة الفاصلة ليست وجهة نظر تُحترم، بل هو ضرب لآمال الشعب، وسعي صريح لإبقاء ليبيا مجزئة مريضة. من يضع العوائق اليوم أمام لمّ الشمل وتوحيد السلطة التنفيذية والذهاب للانتخابات، فإنه يعلن صراحة أنه لا تهمه مصلحة ليبيا، بل تهمه مصالحه الخاصة وانقسام الوطن وضياعه.
يا نواب الشعب، يا أعضاء مجلس الدولة، ويا حكماء ليبيا ومشايخها وشبابها ونسائها، من قبة مجلس نوابكم، أتوجه إليكم جميعاً بنداء صادق: هاتوا أيديكم ولمّوا شملكم، دعونا نطوي صفحات الماضي بآلامها وجراحها، ونفتح صفحة جديدة عنوانها التسامح والتعالي عن الضغائن. إن الوطن يتسع للجميع، ولا يمكن لبنائه أن يستقيم إلا بمشاركة الجميع. إن القوة في الاجتماع، والضعف في الفرقة، وما استعصت مشكلة على قوم اجتمعت قلوبهم وصدقت نياتهم.
إن مجلس نوابكم قد أصدر قوانين الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، واعتمد الميزانية المطلوبة لإجراء الانتخابات، وكل هذه القوانين لدى المفوضية العليا للانتخابات. إن رؤيتنا في مجلس النواب للحل واضحة ومحددة ولا تحتمل الإرجاء: الذهاب للانتخابات الرئاسية والبرلمانية في أسرع وقت، كما أننا نؤكد على دعم أي مبادرة تؤدي إلى خروج ليبيا من أزمتها.
وعليه، نؤكد أن ما جاء في مقترح لجنة (4+4) متوافقاً مع رؤية مجلس النواب؛ حيث جاء في القانون رقم (28) لسنة 2023 بالسماح للعسكريين بالانتخابات والترشح، وكذلك يحق لمن يحمل جنسية أجنبية أن يترشح شرط أن يتنازل عن جنسيته قبل حلف اليمين. كما كنت أرى وعدد من النواب أن الفائز بنسبة (51) في الجولة الأولى هو الرئيس المنتخب دون حاجة للإعادة.
ولذلك نرى أن ما قدمته لجنة (4+4) جهداً مشكوراً، وعلينا أن نتخذ الإجراءات اللازمة لتعديل التشريعات بما يحقق المصلحة العامة وبمقتضى قانون مجلس النواب، والدعم المطلق للجهات المشرفة على الانتخابات لضمان نزاهتها وشفافيتها واحترام نتائجها عبر صناديق الاقتراع، والمباشرة الفورية في إجراء السلطات الجديدة وتهيئة المناخ وتوفير ما يلزم لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وأن تُحدد مدة لهذه السلطة تسقط شرعيتها وولايتها إن لم تشرع في إنجاز الاستحقاق الانتخابي.
إننا بهذه الخطوات الشجاعة نرد القرار لصاحبه الأصلي، ونعيد الأمانة إلى مصدر السلطات: الشعب الليبي، كي يختار حكامه وممثليه في السلطة التشريعية بكامل حريته وإرادته المستقلة.
أيها الليبيون الشرفاء، إن التاريخ يمر بأوقات حرجة تُختبر فيها منازل الرجال ومقادير الهمم، وإني أرى فيكم وفي أعضاء مجلسنا الشرفاء القدرة والإرادة على تجاوز هذه العقبة والتغلب على التحدي. دعونا نثبت للعالم أجمع أن الليبيين قادرون على حل مشاكلهم بأيديهم، وعلى حماية أرضهم، وبناء مستقبلهم بأنفسهم دون وصاية أو تدخل آخر.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
مجلس النواب الليبي موقع مجلس النواب الرسمي