بنغازي: الإثنين 15 يونيو 2026م
“السادة أصحاب المعالي والسعادة:
– السيد النائب الأول لرئيس المجلس البرلماني الآسيوي الإفريقي
– السادة نواب الرئيس بالمجلس البرلماني الآسيوي الإفريقي
– السادة رؤساء البرلمانات والمجالس الآسيوية والإفريقية
– السادة رؤساء الوفود
– السادة السفراء وأعضاء البعثات الدبلوماسية
– السيدات والسادة الحضور:
يُسعدني ويُشرفني أَصَالَةً عن نفسي وباسم مجلس النواب الليبي ونيابة عن الشعب الليبي أن أرحب بكم جميعاً في دولة ليبيا وفي مدينة بنغازي حَاضِنَةِ هذا المَحْفِلِ الهام ، مدينة الجهاد والسلام والإعمار، والتي تسعد اليوم باستضافة هذا التجمع البرلماني التاريخي الكبير من قادة الفكر التشريعي وصُنَّاعِ القانون، السَّاهِرِينَ على احترام الدساتير وصيانة حقوق وحريات المواطنين في قارتينا العظيمتين إفريقيا وآسيا. فمرحباً بكم في بلدكم الثاني ليبيا ، وبين زملائكم الذين يشاركونكم وحدة الهدف، وإن خير ما نَسْتَهِلُّ به لقاءنا قوله تعالى:
” يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ”
السيدات والسادة: تَحْتَضِنُ اليوم مدينة بنغازي مَحَطَّةً جديدة من مسيرة التعاون البرلماني بين دول قارتي أفريقيا وآسيا، إن انعقاد مؤتمرنا هذا في هذه المدينة العَامِرَةِ يحمل دَلَالَاتٍ عميقة ورسائل بَالِغَةَ الأهمية، ويؤكد للعالم أجمع أن ليبيا بِعَوْنِ الله وإرادة شعبها التي لا تَلِينُ، وشجاعة قواتها المسلحة قد اسْتَعَادَتْ أمنها واستقرارها ومكانتها في العالم المعاصر.
هذه المدينة واجهت الإرهاب والتطرف بكل شجاعة وَصُمُود، وقدمت التضحيات الجِسَامَ دفاعاً عن أمن واستقرار ليبيا، ومنطقة شمال أفريقيا وجنوب المتوسط، وانْتَصَرَتْ على التحديات، وانتقلت إلى مرحلة البناء والإعمار، وها هي تفتح أبوابها لاستقبال الأشقاء والأصدقاء حاملة رسالة مَفَادُهَا أن إرادة الشعوب أقوى من العنف ، وأن الأمن والاستقرار يُشَكِّلَانِ الركيزة الأساسية لأي مشروع تَنْمَوِيٍّ وتَحَوُّلٍ ديمقراطي.
السيدات والسادة: إن اختيار هذه المدينة لتكون المَقَرَّ الدائم لهذا المجلس البرلماني يمثل دَلَالَةً تشريعية ومُؤَسَّسَاتِيَّةً بَالِغَةً للعالم أجمع عُنْوَانُهَا أن ليبيا اسْتَعَادَتْ عَافِيَتَهَا ودورها الرِّيَادِيَّ، ولم يكن لهذا التَّشْرِيفِ الدبلوماسي أن يَتَحَقَّقَ لولا التَّحَوُّلُ الجَذْرِيُّ في البيئة الأمنية والقانونية التي شَهِدَتْهَا هذه المدينة الشَّامِخَةُ.
وهنا يجب أن نتوجه بالتحية والتقدير للشعب الليبي المُجَاهِدِ، وللقائد العام للقوات المسلحة المُشِير أركان حرب خليفة بالقاسم حَفْتَر ، و كل ضباط القيادة العامة للقوات المسلحة وجنودنا البَوَاسِلِ الذين اجْتَثُّوا الإرهاب من جُذُورِهِ، تحية إخلاص للذين قدموا الغالي والنَّفِيسَ من أجل بَسْطِ الأمن والأمان، وَوَفَّرُوا البيئة الضَّامِنَةَ للتنمية والإعمار وإعادة بناء الوطن ، وَجَهَّزُوا الأرضية الصَّلْبَةَ التي نقف عليها اليوم مُطْمَئِنِّينَ في هذا المَحْفِلِ الدولي.
السيدات والسادة : هذا الاستقرار كان الوَقُودَ الحقيقي لِثَوْرَةِ التنمية والإعمار والتطوير المُؤَسَّسِيِّ غير المَسْبُوقِ التي تشهدها المدن الليبية ، ويقودها صندوق التنمية وإعادة الإعمار.
ها أنتم ترون اليوم كيف تَحَوَّلَ رُكَامُ الحرب والكوارث الطبيعية ومَفَاسِدُ الإرهاب إلى وَرَشِ عَمَلٍ للبناء والتقدم، لِتُثْبِتَ ليبيا للعالم أنها قادرة على احْتِضَانِ المنظمات الدولية والإقليمية وإدارة أَمَانَاتِهَا العامة بِكَفَاءَةٍ وَاقْتِدَارٍ.
السيدات والسادة: أقف اليوم بِمَسْؤُولِيَّةٍ تشريعية مُمْتَدَّةٍ نَعْتَزُّ بها ، مُسْتَنِداً إلى مسيرة عطاء وعمل مُضْنٍ في ظروف صعبة رِفْقَةَ زملائي أعضاء مجلس النواب الليبي الموقرين ، وتجربة شُرِّفْتُ بها، وتَكْرِيمٍ أعتز وأفتخر به من البرلمان العربي ، وها هو يَمْتَدُّ اليوم ليزيدنا شَرَفاً بِضِيَافَتِكُمْ وتقديركم وثقتكم الغالية لِتَوَلِّي رئاسة المجلس البرلماني الآسيوي الأفريقي ، مما زادني حِرْصاً وعَزْماً على قيادة هذه المؤسسة نحو آفَاقٍ جديدة ، مُقَدِّراً هذا التَّشْرِيفَ وِسَاماً على صدري شخصيًا وللعمل البرلماني الدبلوماسي الليبي.
السيدات والسادة : إن هذا اللقاء الأخوي يَنْعَقِدُ في لَحْظَةٍ تاريخية تَسْتَدْعِي منا تَأَمُّلاً عميقاً في التاريخ والجغرافيا، فنحن لا نمثل مجرد تحالف سياسي عَابِرٍ بل نمثل قارتين هما مَهْدُ الحضارة الإنسانية وَمُنْطَلَقُ الديانات السماوية العظيمة، ومَوْطِنُ المِلْيَارَاتِ من البشر الذين يَتَطَلَّعُونَ إلى مستقبل أكثر أَمْناً وَعَدَالَةً وَازْدِهَاراً، إن قارتي أفريقيا وآسيا ليستا مجرد فضاءين جُغْرَافِيَّيْنِ وَاسِعَيْنِ فهما أساس العالم القديم، تَرْبِطُهَا علاقات أخلاقية وقانونية، وكما قال المفكر السياسي الهندي البارز ( جَوَاهِرْ لَال نَهْرُو ) واصفاً عُمْقَ الروابط بين القارتين :
“إن آسيا وأفريقيا شَقِيقَتَانِ أَيْقَظَهُمَا فَجْرُ الحرية المُشْتَرَكُ ولا يمكن لأي قُوَّى أن تَفْصِلَ بين مَسَارَيْهِمَا”
ومن هذا المُنْطَلَقِ فإن مسؤوليتنا البرلمانية المشتركة، تفرض علينا تعزيز أَوَاصِرِ التعاون والتنسيق بين مؤسساتنا البرلمانية، وتوحيد الجهود لمواجهة المشاكل المُعَقَّدَةِ والتحديات المتزايدة التي يشهدها عالمنا المعاصر.
السيدات والسادة: إننا نعيش في مرحلة تَتَشَابَكُ فيها الأزمات، وتَتَدَاخَلُ المصالح، الأمر الذي يجعل من الحوار والتفاهم والعمل الجماعي، ضَرُورَةً مُلِحَّةً لا خِيَاراً، إذْ من هنا تَبْرُزُ أهمية الدبلوماسية البرلمانية باعتبارها أداة فَاعِلَةً، لتعزيز جُسُورِ التواصل بين الشعوب والدول، ودعم العلاقات الدولية القائمة على الاحترام المتبادل، والإسهام في تسوية النزاعات بالطرق السلمية، وَتَطْوِيقِ بُؤَرِ التوتر، قبل أن تَتَحَوَّلَ إلى صراعات وحروب تُهَدِّدُ الأمن والسلم الدوليين.
السيدات والسادة: إن البرلمانات تَتَحَمَّلُ مسؤولية كبيرة في الدفاع عن حقوق الإنسان وَصَوْنِ كَرَامَتِهِ، والعمل على تلبية احتياجاته المادية والمعنوية، فالتنمية الحقيقية لا تُقَاسُ بالأرقام وحدها، بل بِقُدْرَتِهَا على تحسين حياة الإنسان وتوفير فرص العمل وضمان العدالة الاجتماعية، ودعم الشباب وَتَمْكِينِ المرأة، وَتَرْسِيخِ قِيَمِ المواطنة والمشاركة.
السيدات والسادة : نحن في مجلس النواب الليبي إذ نَتَوَلَّى رئاسة هذا المجلس البرلماني الآسيوي الإفريقي وَبِاحْتِضَانِ مَقَرِّهِ الدائم ، نُثَمِّنُ عالياً الدعم اللَّامَحْدُودَ للقيادة العامة للقوات المسلحة ، والحكومة الليبية ، ومدير عام صندوق التنمية والإعمار، وكافة الأجهزة الأمنية والجهات الرسمية ، التي تُسَانِدُ وتجعل استضافته بلدنا لهذا الحدث حقيقة مَشْهُودَةً ، ولعل اختيار هذه المدينة الآمِنَةِ ، وما تَتَوَافَرُ عليه من خدمات لُوجَسْتِيَّةٍ وَبَحْثِيَّةٍ سَيُوَفِّرُهَا المَقَرُّ للأعضاء، كما أن المكتبة البرلمانية المتطورة والتي يُشْرِفُ عليها مجلس النواب وأمانته ستكون بيئة دَاعِمَةً لهذا المقر، وَسَيَتِمُّ تخصيص مركز للدراسات الآفْرُو- آسيوية بالتنسيق مع الجامعات الليبية ، مما يُعَزِّزُ استضافة ليبيا لهذه المؤسسة .
السيدات والسادة : من بين القضايا التي تَسْتَدْعِي اهتمامًا خاصاً، قضية الهجرة غير الشرعية وما يَرْتَبِطُ بها من أَبْعَادٍ إنسانية وأمنية واقتصادية، إن هذه الظاهرة التي أصبحت مَصْدَرَ قَلَقٍ لا يمكن التعامل معها من خلال الحلول الأمنية فقط، بل تتطلب معالجة شَامِلَةً لأسبابها الجَذْرِيَّةِ من خلال دعم التنمية والاستقرار وخلق فرص عمل في البلدان المُصَدِّرَةِ للهجرة ، وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي بما يضمن حماية الإنسان وَيَحْفَظُ كَرَامَتَهُ وحريته ، وَيَحُولُ دون اسْتِغْلَالِهِ من قِبَلِ شبكات الاتجار بالبشر .
السيدات والسادة : منذ أن قامت الحياة على الأرض عَرَفَ الفساد طَرِيقَهُ إلى البشر وتَمَكَّنَتْ جُذُورُهُ في العديد من المجتمعات، وقد شهدت التشريعات القديمة ظاهرة الفساد فَتَنَاوَلَ مَلِكُ [بابل] حَامُورَابِي – في تشريعه جريمة الرشوة ، وَمَيَّزَهَا عن غيرها وأكد على وجود الفاعل شخصياً أمام “حَامُورَابِي”، لكي يُقَاضِيَهُ .
وفي العصر الفرعوني تناولت تشريعات الملك حُور مُحِبّ ، القواعد في تنظيم الإدارة والعمل الإداري لمنع الفساد ، مما يؤكد أن ظاهرة الفساد ظاهرة قديمة جداً، وتتمثل في المَحْسُوبِيَّةِ وَمُحَابَاةِ الأقارب والرشوة الظاهرة والمُخْفِيَةِ ، كما تَنْتَهِكُ مَبْدَأَ المساواة في المعاملة ، وَيَتَجَلَّى ذلك في غياب المُسَاءَلَةِ وعدم تطبيق القوانين والإفْلَاتِ من العقاب – ولذا يَقَعُ العِبْءُ الأكبر في مكافحة الفساد على البرلمانات المَنُوطِ بها إصدار وتعديل التشريعات التي تكفل القضاء على جُذُورِ الفساد.
وعلى البرلمانات إصدار تشريعات لِتَشْدِيدِ العقوبات ضد الفاسدين والمُفْسِدِينَ، وتشريعات لحماية الشهود والخبراء والمُبَلِّغِينَ، وكشف وَتَتَبُّعِ الذين يرتكبون فساداً، وَمُسَاءَلَةِ الحكومات في حال التَّقَاعُسِ عن القيام بواجباتها واتخاذ تَدَابِيرَ وقائية لمنع الفساد.
وعلينا أن نُكَافِحَ الفساد بكل أشكاله، وخاصة الفساد الكبير، والعمل على تأكيد مَبْدَأِ الفصل بين السلطات لحماية الحريات، ومنع الِاسْتِبْدَادِ وصيانة الدستور، والرقابة على الميزانية وَتَظَافُرِ الجهود من كل المستويات، والتعاون بين السلطات لمواجهة مَخَاطِرِ الفساد.
السيدات والسادة: أصبح الجميع يُدْرِكُ تماماً خطورة ظاهرة الفساد، ومَدَى تأثيرها السلبي على التنمية والتطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي ، وتهديدها الدائم لِاسْتِقْرَارِ المجتمعات وأمنها ، وَتَعْطِيلِهَا لِحُكْمِ القانون وَتَقْوِيضِهَا لِلْقِيَمِ والأخلاق و العدالة ، فضلاً عن الصِّلَةِ الوثيقة بين الفساد والجريمة عموماً ، والجريمة المُنَظَّمَةِ.
السيدات والسادة : إن رؤيتنا للمرحلة المقبلة تقوم على تطوير المجلس البرلماني الآسيوي الأفريقي ، ليكون مَنَصَّةً فَاعِلَةً وَمُؤَثِّرَةً في القضايا الإقليمية الدولية ، وعلى تعزيز التعاون بين البرلمانات الأعضاء وتبادل الخبرات والتنمية المستدامة والتغيرات المُنَاخِيَّةِ والأمن الجماعي ، والتحول الرَّقْمِيِّ ودعم الشباب لِتَحَمُّلِ مسؤولية المستقبل ، وَتَمْكِينِ المرأة ، بما يُسْهِمُ في بناء مستقبل أكثر استقراراً وَازْدِهَاراً للأجيال القادمة .
أؤكد لكم أن رئاسة المجلس خلال المرحلة المقبلة ستعمل بروح الفريق والتوافق ، انطلاقاً من إيماننا بأن تعاوننا هو السَّبِيلُ الأَمْثَلُ لمواجهة التحديات وصناعة الفرص ، وتحقيق تَطَلُّعَاتِ شعوب قارتي أفريقيا وآسيا والعالم، وَسَيُسَاهِمُ المجلس البرلماني الآسيوي الأفريقي في الساحة الدولية ، من خلال تفعيل أدوات الرقابة وَمِنْبَراً للدبلوماسية البرلمانية والشراكة التشريعية لِيُصْبِحَ اليوم جِسْراً تَعْبُرُ عليه تَطَلُّعَاتُ شعوبنا نحو التنمية والأمن والازدهار.
السيدات والسادة: كما أتقدم بجزيل الشكر والتقدير إلى الرئاسة السابقة للمجلس ، وإلى جميع من أَسْهَمُوا في وضع اللَّبِنَةِ الأولى لهذا التجمع البرلماني المهم ، وعملوا بإخلاص في سبيل تَأْسِيسِهِ وتعزيز حُضُورِهِ .
وفي الختام أجدد ترحيبي بكم وأعبر عن اعتزازي باستضافة المَقَرِّ الدائم للبرلمان الآسيوي الأفريقي في هذه المدينة التي تمثل نَمُوذَجاً للإرادة الصلبة، والتطلع للمستقبل، وَنَسْتَأْنِسُ بما يَجُودُ به الشعر العربي الأصيل، حين تَفِيضُ مَشَاعِرُنَا بالأخوة والترحيب:
يا ضَيْفَنَا لو زُرْتَنَا .. لوَجَدْتَنَا .. نحن الضيوف وأنت رَبُّ المنزل
شكراً لكم جميعاً ،، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته”
مجلس النواب الليبي موقع مجلس النواب الرسمي